السيد محمد حسين الطهراني

155

معرفة الإمام

ولم يكن يقبل أو يؤيّد نظريّة في الفيزياء أو الكيمياء إلّا بعد التحقّق منها بنفسه في التجربة العمليّة والاختبار . وعالم كهذا لا يهتمّ بعلوم نظريّة بحتة اهتمامه بالعلوم التجريبيّة ، إذ لا يمكن قياس العرفان بتجربة فيزيائيّة أو كيميائيّة ، ولا يتأتّى إلّا بعد مدّة طويلة من ترويض النفس . وفي التأريخ الإسلاميّ أنّ جعفراً الصادق كان أوّل عالم تحدّث عن الفيزياء والكيمياء ، فلا ينبغي أن يُبدي رغبةً في العرفان حسب القاعدة ، لكنّه في طليعة العرفاء والزهّاد ، حتى أنّ الزمخشريّ المعروف ، بعد ما أثنى عليه ثناءً كريماً في كتابه « ربيع الأبرار » عدّه من طلائع العرفاء وزعمائهم . وكان العطّار النيسابوريّ صاحب « تذكرة الأولياء » يرى أنّ الصادق رائد للعرفاء . ولكن شتّان بين ما سجّله الزمخشريّ ، وبين ما أورده العطّار . فقيمة ما كتبه الأوّل تفوق قيمة ما كتبه الثاني ، إذ مضافاً إلى أنّ بعض الروايات في « تذكرة الأولياء » غير منظّمة من حيث تأريخ الوقوع ، « 1 » إن الكاتب كان مغرماً متيّماً حين الكتابة ، وكان عاشقاً للعرفان دون أن ينتبه إلى غلوّه في بعضها . حضور تلامذة صابئة دروس الإمام الصادق عليه السلام من هنا ، نقول : إنّه لم ينتبه إلى غلوّه ، ولو كان فطن له لما غَلَا ، إذ كان يعلم أنّ المبالغة تقلّل من قيمة الكلام . وإذا وجدت المبالغة إلى التأريخ سبيلًا ، فلا يتسنّى اعتباره تاريخاً . ويمكن القول : إن القلم في يد الزمخشريّ قلم مؤرّخ يتحكّم فيه العقل والدقّة ، أمّا القلم في يد العطّار فيتحكّم فيه الحبّ والعشق . وأيّاً كان الأمر ، فالصادق يعدّ في تأريخ العلوم

--> ( 1 ) - يسمّي تنظيم الوقائع من حيث تأريخ الوقوع باللاتينيّة ( كرونولوجي ) وهو أحد المعايير المهمّة لتحديد صحّة سرد الوقائع التأريخيّة وسقمها .